محمد سعيد رمضان البوطي
353
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ما طلبت ذلك ولا أردته ، فأنت على حالك التي كنت عليها ، فلا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع دونك أمرا . . فلما قرأ أبو عبيدة كتاب خالد ، قال : بارك اللّه بخليفة رسول اللّه فيما رأى وحيّا اللّه خالدا على ما صنع . وكان الصدّيق قد كتب لأبي عبيدة كتابا يقول فيه : أما بعد ، فإني قد ولّيت خالدا على قتال العدو بالشام فلا تخالفه واسمع وأطع له . فإني يا أخي لم أبعثه عليك لأجل أنه عندي خير منك ، ولكنني ظننت أن له فطنة في الحرب في هذا المكان الحرج ، أراد اللّه بنا وبك الخير والسلام . ثم التقى المسلمون والروم ، والتحم القتال بينهم ، في سلسلة من المعارك ، دامت مدة من الزمن . وكان نهايتها النصر للمسلمين ، وقتل من الروم عدد كبير يصعب إحصاؤهم ، كما أسر منهم عدد كبير أيضا . وفي هذه الأثناء وصل إلى خالد بن الوليد خبر يفيد أن أبا بكر قد توفي ، وقد بويع بعده بالخلافة لعمر . كما تضمّن الكتاب أمرا بعزل خالد وتولية أبي عبيدة على الجيش . فأسرّ خالد الخبر في نفسه كي لا يقع اضطراب في صفوف المسلمين . ولما بلغ الخبر أبا عبيدة أسرّه هو الآخر ولم يعلم به أحدا للسبب ذاته « 4 » . وفاة أبي بكر رضي اللّه عنه : كانت وفاته في السنة الثالث عشرة من الهجرة ليلة الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الآخرة عن ثلاث وستين من عمره . وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام . ودفن في بيت عائشة بجانب قبر النّبي صلّى اللّه عليه وسلم . عهده بالخلافة إلى عمر : شاور أبو بكر رضي اللّه عنه قبيل وفاته طائفة من المتقدمين ذوي النظر والمشورة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاتفقت كلمتهم على أن يعهد بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب . فكان أبو بكر بذلك أول من عهد بالخلافة من بعده إلى رجل معين ، ونصّب خليفة بمقتضى ذلك . ولعلّ الخير أن نقول كلمة في تفصيل ذلك : ذكر الطبري وابن الجوزي وابن كثير أن أبا بكر رضي اللّه عنه خشي على المسلمين أن يختلفوا من بعده ثم لا يجتمعوا على رأي ، فدعاهم - لما ثقل عليه المرض - إلى أن يبحثوا لأنفسهم عن خليفة من بعده ، ورغب أن يكون ذلك في حياته وبمعرفته . إلا أن المسلمين لم يتفقوا فيما بينهم على من يخلف أبا بكر في تلك الفترة القصيرة . فوضعوا
--> ( 4 ) باختصار عن الطبري 3 / 343 وما بعد ، والبداية والنهاية لابن كثير : 6 / 343 وما بعد ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : 67